أحمد بن علي الرفاعي الكبير

124

حالة أهل الحقيقة مع الله تعالى

وسئل علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : عن القضاء والقدر ؟ فقال : ليل مظلم ، وبحر عميق ، وسرّ اللّه الأعظم ؛ فمن رضي به فله الرضا ، ومن سخط فله السخط ! . وروي أنه لما وضع المنشار ، على رأس زكريا عليه الصلاة والسلام ، همّ أن يستغيث باللّه تعالى ، فأوحى اللّه إليه : يا زكريا ! . إمّا أن ترضى بحكمي لك ، وإما أن أخرب الأرض ، وأهلك من عليها . فسكت حتى قطع نصفين . وحكي أن رابعة البصرية - رحمها اللّه تعالى - مرضت ، فقيل لها : أما ندعو لك طبيبا ؟ فقالت : من قضى عليّ ؟ قالوا : اللّه تعالى . قالت : أو مثلي من يرد قضاء سيده ؟ ! . ومرض أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه ، فقيل له : أما ندعو لك الطبيب ؟ فقال : قد رآني . قيل : وما قال ؟ فقال : قال : إني فعّال لما أريد . شكى نبيّ من الأنبياء بعض ما ناله من المكروه ، فأوحى اللّه إليه : كم تشكوني ، ولست أهل ذم ولا شكوى ! فهكذا كان بدء شأنك في علمي ، فلم تسخط ؟ أفتحب أن أعيد الدنيا من أجلك ! أو أبدل اللوح بسببك ! فأقضي ما يسرك كما تريد ، لا كما أريد ، ويكون ما تحب دون ما أحب ، فبعزتي حلفت : لئن تلجلج هذا في صدرك مرة أخرى ، لأسلبنك ثوب النبوة ، ولأوردنك النار ولا أبالي . قال بعض الحكماء : ليس العجب ممن ابتلي فصبر ؛ إنما العجب ممن ابتلي فرضي ! . قيل لعبد الواحد بن زيد - رحمه اللّه تعالى - : أي الرجلين أفضل : رجل أحبّ البقاء ليطيع ، أو رجل أحبّ الخروج شوقا إليه ؟ . فقال : لا هذا ولا ذاك ؛ ولكن رجل فوّض أمره إلى اللّه ، وقام على قدم الصدق في الرضا ، فإن أبقاه أحب ذلك ، وإن أخرجه أحب ذلك ؛ فهذه منازل الرضا عنه ، وخلق العارف معه . قيل لعمر بن عبد العزيز رحمه اللّه : ما تشتهي ؟ قال : ما يقضي اللّه . وقال أبو عبد اللّه النساج رحمه اللّه تعالى : إن للّه عبادا ، يستحيون من الصبر ، ويسلكون مسلك الرضا ؛ وإن له عبادا ، لو يعلمون من أين يأتي القدر ، لاستقبلوه حبا ورضا ! .